كتاب ابن الجيران |روماسنية
جاري التحميل...
ابن الجيران
، من لحظة رجوعها من الملهى الفجر لحتى تحضير حالها لشغلها التاني كجرسونة. بنلمس فيه الضغط النفسي اللي بتعيشه بسبب ضجيج رفيقتها بالسكن "كاميلا" اللي بتعيش حياة أسهل بكتير بفضل دعم حبيبها. الفصل بيركز على لحظة الضعف والقوة بنفس الوقت لما نيشا بتحكي مع إمها وبتخبي وجعها كرمال تضل "السند" لعيلتها.
عم بستعمل طريقة كتابة مختلفة هالمرة.
ما بيلزمها تفسير، فما تفكروا كتير بالموضوع. بس عم برجع لأسلوبي القديم بالكتابة بهيدا الكتاب لأني رح أكتب القصة بصيغة الغائب- شي عم بساويه لأول مرة.
وهيدا بيعنيييي إنها تجربة من نوع ما.
بس طولوا بالكن عليي واستمتعوا بالقصة.
كمان، رح صير بدّل بين أسامي الشخصيات وألقابهم من وقت لرتاني. بعتذر إذا هيدا الشيء بضيّعكن.
-جانيشا-
نيشا تنهدت وهيي فايتة على أوضة نومها لما شافت الكركبة اللي تركتها قبل ما تظهر على شغلها اليوم الصبح بكير. كانت كتير مستعجلة لدرجة إنها ما فكرت حتى ترجع أغراضها لمحلها، وهلأ أكلت الضرب.
قضت الليل كله بملهى "دايموند جول" للرقص، من الساعة عشرة بالليل لغاية هلأ، وهيي عم تهز وتفتل على العواميد لحتى جسمها كله انهدّ.
كانت الساعة أربعة الصبح وهلأ هيي تعبانة، ومشرورة عرق، ومنتهية من هيدا النهار. كل اللي كان بدها ياه هو إنها تنام، بس الضجة اللي بالأوضة اللي حدها وحالة أوضتها كانوا دليل واضح إنها رح تضل واعية لفترة.
ما كان فيها تقعد وتنام فوق تخت مليان تياب مكبوبة من خزانتها، أو تمشي فوق كمية صباط الكعب والبيكينات اللي مفرودة على الأرض.
كانت رح تحس حالها مقرفة لو نامت بهيك جو، كرمال هيك تنهدت تنهيدة قوية مرة تانية، وطلعت تلفونها. كانت دافعة "باكة" (ألف دولار) على تلفونها "أيفون 17" وبس صار فيه كم كسر بالشاشة بعد ما صار معها لأقل من شهر.
فتحت تطبيق "أبل ميوزك" وشغلت قائمة أغاني "التنظيف" اللي بلشت تلقائياً تشغل أغاني "آر آند بي" قديمة من أوائل التسعينات.
"عم تولع، الرؤية عم تغبش،
الرفاق معي، تعاوناتنا عم تضرب متل الحبوب،
بلا شك، أنا عم سيطر، ولا مرة بتراجع،
طالما رصيدي عم يشهدلي،
كلب ما بيقدر يلقطني، انقبرو من هون،
قولولي مين بيقدر يوقف بوجه "دري" وهو عم يخطط،
عم يجذب البنات متل المغناطيس،
عم يعطيهم نشوة سمعية بلهجتي الرايقة،
بعده عم يوزع نكهته،
مع الشباب وتيدي،
هني اللي بيهزوا الساحة."
هزت براسها على أغنية "نو ديجيتي" لـ "بلاك ستريت" و"دكتور دري"، وشلحت الجاكيت عن جسمها ورمتها على التخت. شلحت صباطها، وهيي عم تحرك شفافها مع كلمات الأغنية كأنها إلها، وربطت وصلات شعرها بـ "ملقط" شعر.
بقيت بس بطقم "جوسي كوتور" الزهري، وبلشت نيشا تنظف أوضتها، وهيي عم تتجاهل أصوات التآوه والآهات اللي طالعة من الأوضة اللي حد أوضتها.
رفيقتها بالسكن- وأعز رفيقة عندها- كاميلا، كان عندها فرصة من الملهى الليلة، وهيدا عادةً بيعني إنها عم تقضي وقت مع حبيبها من سنتين، دوني، اللي الكل بيلقبوه "ديوس". كان شب شكله حلو وأكبر من كاميلا بكذا سنة. كان لونه حنطي مع قصة شعر "فيد"، وتاتوهات، وحلقة بالأنف وشفاف مليانة. كان بيوتر نيشا كل ما قربوا من بعض، بس ما كان قليل أدب وكان بيسلم على نيشا وبيهتم لوجودها لما تكون موجودة.
أول مرة نيشا التقت بـ "ديوس"، كان عم يساعد رفيقتها السكرانة لتدخل على الشقة بدون ما توقع على حالها، ونيشا كانت متسطحة على الكنباية عم تحضر فيلم "رجال ببدلات سوداء".
على أساس، هو كان زبون، و"كي كي" زادتها معه شوي وانتهى الأمر بإنها عملت علاقة معه بدل ما تعطيه بس رقصة خاصة بسيطة. "ديوس"، اللي كان واعي ومبين عليه متسلي، شرح الوضع لنيشا لما شافت رجال غريب كله تاتوهات عم يرجع رفيقتها اللي عم تتلعثم بالحكي على البيت. حتى إنها هددته، ووجهت فرد الـ "جلوك" تبعها على صدره، وسألته مين هو، ومن وين بيعرف "كي كي" وليه هيي سكرانة لدرجة إنها مش قادرة تحكي.
بالنسبة لنيشا، كان الموضوع مبين كأنه "كمين"، فكان لازم تتأكد.
بس بالنهاية، "ديوس" تفهم الموضوع، ووصلها، وترك رقمه لتدقله بس توعى. حتى إنه ما تهزّ من فرد نيشا، بالعكس، بين كأنه معجب إنها وحدة صغيرة متلها وحاملة سلاح. كان مبين إنه مهتم بكاميلا من قلبه، وهيدا شي نادر لأن أغلب الشباب كانوا بدهم "كي كي" بس كرمال جسمها، وكان طالع عليها سمعة بالملهى إنها "سهلة".
بس بالنسبة لـ "ديوس"، هيدا الحكي ما كان بيسوى قشرة بصلة، ونيشا حبت هيدا الشي لرفيقتها.
بس هيدا ما بيعني إنها كانت مستمتعة وهيي عم تسمعهم عم يمارسوا الجنس كل ليلة، وهيدا الشي عم يصعّب عليها إنها ترتاح وتنام منيح. كان شي بيهدّ الحيل.
وللتأكيد، ولأنها حست إنهم عم يعلوا صوتهم قصداً، نيشا علّت الموسيقى شوي أكتر، وقالت بقلبها "طز" بجيرانها الحقيقيين اللي يمكن عم يجربوا يناموا.
إذا هيي مش قادرة تنام، هني كمان مارح يناموا.
قضت الساعة اللي بعدها عم تنظف أوضتها، وترتب التياب اللي كانت كابتها، وعم تجهز بدلة شغلها التاني المتعب. لما خلصت، كانت وعيت عالاخر وما عاد بدها تتسطح. كرمال هيك، لقطت لابتوبها، وراحت على مكتبها الصغير اللي حد التخت وبلشت تشتغل على كذا فرض من دروسها بالجامعة. كانت عم تشتغل لتاخد شهادتها وبتقضي أغلب وقت فراغها لتسبق باقي صفها. هيدي كانت حياة نيشا؛ جامعة، ملهى، وشغل خفيف كجرسونة لتقدر تدفع فواتيرها.
الضو الأزرق تبع الشاشة ضرب بوجهها، ووضح التعب المحفور تحت عيونها. نيشا ما كانت بس عم تدرس جامعة؛ كانت عم تتخصص بـ "العدالة الجنائية" مع اختصاص فرعي بـ "إدارة الأعمال". كانت عارفة سخرية القدر بإنها عم تمول شهادة مخصصة للحفاظ على القانون عن طريق عمل كل شي إلا القانون. بس الواحد لازم يعمل اللي لازم ينعمل لما ما يكون عنده خيار غير إنه يضل "راسه فوق المي" بهيدي المدينة. كل مقال بتكتبه، كل درس بتخلصه، كان بمثابة مسمار بنعش حياتها بملهى "دايموند جول".
ما كانت ناوية تضل تهز خصرها كرمال "البراني" لما يصير عمرها تلاتين، كانت رح تكون هيي اللي عم تدير الحسابات.
الموسيقى كانت دارت مرتين- من ماري جي بلايج لـ "جوديسي"، وبعدين قلبت بنعومة لـ "آليا"- بالوقت اللي كانت فيه الساعة على لابتوبها عم تشير لـ 6:27 الصبح.
وقفت شوي، وفركت جوانب راسها، ودفشت ملقط الشعر أكتر بشعرها وهيي عم توطي الموسيقى. الحيط اللي بيفصل أوضتها عن أوضة كاميلا كان بعده عم يهتز، مع إنه الضجة خفت ولحسن الحظ صارت مجرد وشوشات وتزييق من خشب التخت القديم.
"يا زلمي، عم يتصرفوا كأنهم وحوش." نيشا تمتمت تحت نفسها وهيي عم تهز براسها.
كاميلا و"ديوس" ما كانوا بس صوتهم عالي، كانوا عم يمثلوا تمثيل. نيشا كانت بتعرف إن كاميلا بتموت على الاهتمام، وعلى إثبات إن حدا متل "ديوس"- رجال مبين كأنه طالع من فيديو كليب معموله "إيديت" قوي ومعه مصاري حقيقية- ميت بدباديبها. ما كان غني فاحش، بس كان مأمن إن كاميلا ما تعتل هم حصتها بالآجار أو الفواتير إذا ما بدها. يا زلمي، أوقات كان بيساعد وبيدفع الفواتير كاملة، وبيترك فاتورة الكهربا والمي لنيشا.
ويمكن هيدا هو التعب الحقيقي لنيشا. المقارنة الدايمة والمعرفة إن كاميلا عندها مخرج، ومحل ناعم لترتاح فيه. نيشا ما كان عندها حدا غير حالها. أهلها كانوا بـ "ديترويت"، عم بيعانوا، وبعت المصاري لبيتها كان طبقة تانية من الشقا. كل دولار كانت بتطلعه كان دولار ناقص من هموم إمها.
كتبت جملة تانية، وصلحت مكان "الفاصلة المنقوطة"، لما سمعت الصوت الواضح لإيد الباب وهيي عم تبرم. التزييق وقف بالمرة. الشقة هديت لأول مرة من وقت ما فاتت عليها.
"أخيراً،" وشوشت نيشا، وهيي عم تمدد إيديها فوق راسها.
بعد كذا دقيقة، كان في دقة خفيفة على بابها، وتبعتها فوراً فتحة الباب. كاميلا طلت، وشكلها مبهدل وبشرتها الفاتحة عم تلمع. شعر كاميلا- اللي كان عبارة عن هالة طويلة ومكركبة من الكيرلي- كان واقف وقوف، وكانت لافة حالها بس بقميص أبيض "أوفر سايز" لـ "ديوس" يا دوب مغطي جسمها المليان. كانت عاملة عملية نحت وتكبير لجسمها وشد بطن، فكانت تضاريس جسمها واضحة من تحت قماش القميص.
"يا بنت، ليه أوضتك هالقد... مضوية؟" كاميلا زمّت عيونها وهيي سانحة حالها على كنف الباب. "وليه بعدك واعية؟"
نيشا طلعت فيها بنظرة حادة. "أنا واعية من زمان يا كي كي. كان لازم نظف هالإعصار اللي تركته هون. وهلأ عم بدرس، واضحة يعني." أشّرت بإيدها ناح اللابتوب. "لازم حافظ على معدلي إذا بدي ضل محافظة على المنحة الكاملة، متذكرة؟"
كاميلا تتاوبت وهيي عم تغطي تمها بقفا إيدها. "صح، صح. أنتِ دايماً عم تدرسي. بس العمى، كنتِ مدورة الموسيقى عالآخر. كان طالع الصوت كأنها حلبة رقص هون."
نيشا رفعت حاجبها، ونزلت إيديها على حضنها. سحسحت بكرسيها لورا، وعطت كاميلا نظرة قوية. "آه، هيك كان؟ حقك عليي. كنت بس عم جرب غطي على أصوات الصريخ واللطش."
كاميلا ما اتهزت. بس لبستها ضحكة خبيثة، ومرقت إيدها على خصرها. "أنتِ لئيمة. قولي إنك غيرانة لأنك ما عم تنفضي نفض متل هيك."
نيشا ما تأثرت وضلت ملامح وجهها عادية. "غار من شو؟ من إني اسمعكم طالع صوتم متل حيوانات مصدومة كل ليلة؟ بفضل نومة بنظافة على إني آكل ارتجاج بالدماغ."
كاميلا ضحكت، ضحكة طالعة من قلبها. "شو دراماتيكية يا خيي. مش لهالدرجة الموضوع جدي."
"بلا جدي لما يكون عندي امتحان نصفي الأسبوع الجاي، ولازم كون عم اشتغل جرسونة الساعة عشرة. ما عندي وقت غطّ بكل مرة برفع راسي فيها بس لأن رفيقتي قررت تستعمل الشقة اللي مشاركتها مع غيرها كأنها استوديو أفلام إباحية." نيشا حكتها بجمود.
بهاللحظة، "ديوس" ظهر ورا كاميلا. كان مصلّخ، التاتوهات مغطية جسمه، ولابس شورت باسكيت نازل لتحت خصرة، وعم يشد كاسكيت فوق شعره. كان مبين عليه التعب بس حامل معه هيديك الثقة بالنفس تبع الرجال اللي بيعرف قديش كان صوته عالي.
"شو الأوضاع، نيشا الصغيرة،" ديوس حكاها بصوت واطي وجرّة كلام، مع هيديك اللهجة تبع ديترويت اللي دايماً بتذكر نيشا ببيتها وأهلها. ما نطر جواب، بس لف إيده حول خصر كاميلا وشدها لعنده. "عم بتعذبك هون؟"
"لا، بس عم نحكي عن هندسة الصوت،" نيشا جاوبته ببرودة، وهيي عم تطلع بوجهه دغري كرمال ما تبين بلا ذوق. "الحيطان رقيقة يا ديوس. رقيقة متل الورقة. بتمنى ما حدا بالشقة يكون بيعرف لغة الإشارة."
ديوس ضحك، وزمّ عيونه هو وعم يضحك. "ولو، حقك عليي يا صغيرة. رح نجرب نوطي الصوت المرة الجاي. عن جد. بتعرفي 'ميلا' كيف بتصير بس تشرب كاستين." غمز كاميلا بحنية، وهو وعم يعض على شفته التحتانية وعم يتطلع فيها دغري.
كان مبين كأنه رجال جوعان.
"يا زلمي سد بوزك. ما تسمعي له يا رفيقتي،" كاميلا تدخلت وهيي عم تدق "ديوس" بكوعها بمزح. "شوفي، طالعين ناكل ترويقة بهيدا المحل اللي بآخر الطريق. بدك شي؟ فينا نجبلك معنا بانكيك نار."
نيشا هزت براسها دغري. "لا، أنا تمام. لازم ضل مركزة. وأصلاً أكلت بانكيك زيادة هالشهر وأنا عم جرب زيد وزني كرمال الملهى." طلعت بالساعة مرة تانية. كانت 6:43 الصبح. كان عندها حوالي أربع ساعات قبل ما تضطر تفوت تحت الدوش لتجهز حالها لشغلها التاني. "تسلوا أنتوا."
ديوس هز براسه، وعطاها هزة راس محترمة. "جيبي هالمصريات يا مرا. والشهادة كمان. نحن عم نشجعك."
نيشا بس هزت براسها، وحست بمغصة صغيرة بمعدتها. ليه دايماً لطافته الحقيقية كانت بتحسسها بالشفقة؟ كان عم يشجعها، أكيد، بس هو وكاميلا كانوا عايشين العيشة اللي هيي عم تحاول بكل قوتها تشتريها- استقرار مادي ومهرب من الضغط.
بس سكر الباب وسمعت صوت طقة القفل تبع باب البيت بعد كذا لحظة، نيشا طلعت نفس طويل ومنهنه. الأغنية اللي قبل كانت خلصت، وحلت محلها موسيقى جاز ناعمة لـ "إيلا فيتزجيرالد"، تغيير بالجو ناسب الهدوء المفاجئ بالشقة.
جربت ترجع تركز على دراستها، بس هيدا اللقاء كسرلها تركيزها. كاميلا كانت مبسوطة. كاميلا كان في مين مهتم فيها. ونيشا كانت هون، عم تحرق حالها على تلات جبهات (الجامعة، الملهى، وشغل الجرسونة)، عم تحاول تصنع شبكة أمان لحالها.
خبطت اللابتوب وسكرته. الفرض بيلحق ينعمل بعد ساعة. كانت بحاجة لقهوة- وبأسرع وقت.
شلحت طقم "جوسي" الزهري ولبست "ليجنز" مهري وكنزة قطن تقيلة ريحتها "تايد" رخيص وبخور لافندر. لقطت تلفونها وراحت ناح المطبخ.
المطبخ كان صغير ومزيّت، دليل على صبيتين بيقضوا وقتهم بالشغل أكتر من الطبخ. بس ما تفهموها غلط، نيشا بتعرف تطبخ وتبيض الوجه بالمطبخ عن جد، بس ما عندها وقت.
نيشا مرقت عن ركوة القهوة الموشومة وراحت دغري على الخزانة، طلعت مرطبان قهوة سريعة الذوبان. خلطتها مع مي عم تغلي من الإبريق، وحركتها بقوة لحتى رغت السوائل السوداء التقيلة.
وهيي عم تنطر القهوة لتبرد، طلعت تلفونها وفتحت تطبيق البنك.
معاش الجرسونة: نزل 340 دولار. ما بيكفي حتى ليغطي نص الآجار اللي عليها الأسبوع الجاي. براني الملهى: 985 دولار كاش ناطرين بكرتونة الصباط. ليلة منيحة، بس مش عظيمة. رصيد القرض الطلابي: 0 دولار. كتر خير الله على المنحة، بس الكتب والرسوم بعدهم عم يشفطوا دم قلبها.
تنهدت، وأخدت شفطة كبيرة من القهوة المرة. هيدا السباق اللي هيي فيه كانت بتحسه أوقات "ملعوب فيه". بتركض، بتعرق، بتنزف- وبالآخر بتلاقي حالك واقف محل ما بلشت.
كان لازم تدق لإمها. الساعة صارت سبعة، وهيدا بيعني إن إمها هلأ عم توعى لتجهز حالها لشغلها بالمستشفى.
رجعت نيشا على أوضتها، لقطت سماعاتها، وهيي مقررة تعمل كذا شغلة مع بعض وهيي عم تجهز حالها لشغلها بـ "ذا غريل".
"يمكن لسا ما وعيت، بس لازم اسمع صوتها على كل حال،" نيشا تمتمت وهيي عم تطلب الرقم اللي حافظته. رن أربع مرات قبل ما يجاوب صوت حذر وناعس.
"ألو؟"
"هاي ماما. هيدي أنا."
"نيشا؟ يا تقبريني، ليه داقة هالقد بكير؟ في شي صاير؟" صوت إمها كان مليان خوف، هيدا النوع من الخوف اللي ما بتعرفه إلا الإم اللي بتعرف إن بنتها عم تمشي بطرقات صعبة بالحياة.
"لا أنا منيحة يا ماما. بس خلصت دراسة، وعندي شغل الصبح بـ 'ذا غريل' اليوم. حبيت احكيكي قبل ما يبلش نهارك." نيشا خلت نبرة صوتها رايقة، ومخبية الوجع اللي بيفرفد بـ إجريها. راحت ناح الخزانة، ونقت قميص أبيض وبنطلون أسود قماش- بدلة الاحترام اللي بتلبسها بالنهار.
"آه، منيح يا بنتي. ضلك مهتمة بدروسك،" إمها مدحتها، وتبع كلامها سعلة خفيفة. "بس عم تنامي كفاية؟ صوتك مبين تعبان."
نيشا ضحكت، ضحكة قصيرة وناشفة. "النوم موضة قديمة يا ماما. بنام بس اتخرج. اسمعي، كنت بدي قلك إني بعتلك مبلغ صغير. المفروض يوصل على حسابك بكرا الصبح."
صار في لحظة سكوت من الجهة تانية، لحظة مليانة امتنان وذنب مش محكي فيهم. نيشا كانت بتكره هيدا الجزء من الحديث.
"نيشا، مش ضروري تضلك تعملي هيك. أنتِ بحاجة لهالمصاري يا بنتي."
"ماما، خلص بقى. معي مصاري. قلتلك عم بشتغل. أنا تمام. بس تأكدي إنك تجيبي الدوا، ماشي؟ وبليز، وقفي تشتغلي دوامين. هيدا ما رح يساعد "الروماتيزم" تبعك." نيشا لبست البنطلون القماش، وسكرت السحاب بسرعة. كتر خير الله إنها أخدت دوش بالملهى قبل ما تخلص شغلها ولا كانت رح تاخد وقت أطول لتجهز.
"بعرف، بعرف. أنتِ بس بتعطلي هم زيادة يا بنتي. بس شكراً يا حبيبتي. عن جد. أنتِ نعمة، سامعتيني؟"
"سامعتك. لازم روح هلأ يا ماما. لازم ألحق الباص إذا بدي أوصل على الوقت."
تبادلوا كلمات "بحبك"، ونيشا سكرت الخط، وفوراً حست بالتعب تضاعف تلات مرات لما رجع حمل المسؤوليات نزل على كتافها. طلعت بالمراية، وانتبهت لبقايا المكياج التقيل اللي كانت لابسته بالملهى- الكحل القوي والحمرة الفاقعة اللي كانت بتخليها تبين أكبر، وأقوى، وما حدا بيقدر يدق فيها.
فاتت على الحمام، وفتحت المي الباردة. كانت بحاجة لـ "صدمة" لسيستم جسمها. الست ساعات الجايين رح تقضيهم وهيي عم تقدم "أومليت"، وتعبّي شاي بارد، وترسم ضحكة "خدمة الزبائن" على وجهها. وبعدين، رح ترجع تقعد ورا اللابتوب لكم ساعة. وإذا حظها كان عاطل، رح تضطر تعيد الدورة كلها مرة تانية، الليلة، بـ "دايموند جول"، وتهز خصرها كرمال الدفعات الزيادة اللي عليها للجامعة.
نيشا طشت المي المتلجة على وجهها، وفركت المكياج لحتى حست إنه راح كله. طلعت بخيالها بالمراية، شعرها المبلول ملزق على جبهتها، ووشوشت للبنت اللي عم تطلع فيها: "رح نخلص من هيدا كله يا عمري. بس لازم تصمدي بعد شوي صغيرة."