سيدة الليل - (الفصل الأول) أسرار لويسفيل
جاري التحميل...
أسرار لويسفيل
تظهر شخصية فيفيان كفتاة "خارجة عن المألوف" لا تنجذب للأضواء، بل تملك بروداً غريباً تجاه المشاهد القاسية، مما يلمح لسر دفين في تكوينها. الرسائل المشفرة وشخصية "سيدة الليل" الغامضة يمثلان نقطة التحول التي ستدفع بالبطلة لكشف زيف نظام الاختيار المقدس.
الفصل الأول لو كان بإمكان فيفيان إنها تتمنى أي حاجة في الدنيا، كانت هتتمنى إن صاحبتها الأنتيم تكون معاها في حفلة عيد ميلادها التمنتاشر. بس أعز صاحبة ليها، أليسون، اللي فيفيان كانت بتقولها كل أسرارها — مكنتش هتكون موجودة. فيفيان مكنتش قادرة غير إنها تتخيل أليسون كانت هتقول إيه لو قدرت تيجي. كانت هتعوز تعرف ليه فيفيان مكنتش قايلة لأي حد السبب الحقيقي ورا اختفاء أليسون في مدينة مانا. كل الناس التانية كانوا فاكرين إن أليسون عايشة أجمل أيام حياتها كواحدة جميلة ومرافقة للورد أرستقراطي غني. حتى أهل أليسون لسه بيجيلهم مصروف شهري بتبعتوا بنتهم الحبيبة. بس فيفيان كانت عارفة الحقيقة؛ أليسون ماتت. كانت ميتة من حوالي سنتين. أليسون كان عندها كام سنة لما فيفيان شافتها آخر مرة؟ أليسون اتخدت بالظبط بعد حفلة عيد ميلادها الستاشر. أليسون وعدت إنها هتكتب، بس جواباتها اختفت زي ورق الشجر لما الصيف بيقلب خريف. وقبل ما تختفي خالص، أليسون بعتت لفيفيان إيميلات مكتوبة بالشفرة بتاعة طفولتهم. في الجوابات دي، كانت خايفة. كان فيه حد بيطاردها. فيفيان معرفتش أبداً مين ده، مع إن أليسون لمحت إنها ست. كانت ست مرعبة أليسون مكنتش بتقول عليها غير "سيدة الليل". خبط قوي ومستمر جه على باب أوضتها. "فيفيان! لازم تروحي محل طنط سولي النهاردة. إنتي لحقتي تنسي خلاص؟" "لأ يا جنون،" ردت فيفيان وهي بتبص لفوق بزهق. أختها الكبيرة المثالية كانت دايماً بتفترض إن فيفيان خايبة لدرجة إنها متعرفش تزرر قميصها بنفسها. فيفيان قامت بالعافية من على السرير ولبست أول طقم نضيف لاقته في الدولاب. جنون كانت بتقول لمسز سولي "يا طنط"، بس ده بس عشان جنون كانت بتقضي وقت طويل أوي هناك عشان تفصل هدومها الكتيرة لدرجة إن مسز سولي بقت زي فرد من العيلة. فيفيان كانت عايزة ترجع من مجرد فكرة إنها تلبس وتتشيك عشان حفلة عيد ميلاد. كانت عارفة إن مسز سولي مش هيعجبها لبسها مهما لبست إيه. بس فيفيان كانت واعدة مامتها إنها هتروح للخياطة، عشان يكون عندها فستان عدل شوية لعيد ميلادها. في لويسفيل — المكان اللي مبيحصلش فيه أي حاجة أبداً — عيد ميلاد البنت التمنتاشر كان يوم مهم. ده السن اللي بيعتبروها فيه كبرت على الجواز. والسبب هو إنه كمان السن اللي "الأوجارد" مبيقدرواش يطلبوا فيه البنت لمدينة مانا. مش إن ده كان خوف بالنسبة لفيفيان أصلاً. من ساعة ما تمت خمستاشر سنة، كانت مؤهلة إنهم يطلبوها لمدينة مانا، بس ورقة الاستدعاء الصغيرة دي مجتش أبداً. لا في البوسطة، ولا في الشوارع، ولا في المدرسة. "الأوجارد" اللي كانت بتقابلهم كانوا بيعدوا من قدامها كأنهم مش شايفينها. في الأول، فيفيان كانت غيرانة إن أليسون اختاروها وهي لأ. في الآخر، هما الاتنين كانوا حلوين بطريقتهم الخاصة. أليسون كان شعرها أحمر ناري وخدودها زي التفاح. فيفيان كانت بجمال غامق. شعرها كان أسود، وعينيها كانت زرقاء صافية وحادة. باباها دايماً كان بيقولها إن بنظرة واحدة منها، تقدر تطعن قلب أي ولد. للأسف، مفيش ولا ولد من النوع ده ظهر لسه. فيفيان كانت بتتساءل لو سمعة باباها كراجل عجوز سكيير ومجنون ليها علاقة بالموضوع ده. زمان لما جنون كانت في السن ده، باباها حاول بكل قوته يبيعها لـ "الأوجارد" عشان يمكن تلاقى فرصة للحياة المرفهة في مدينة مانا. جنون دايماً كانت هي الأحلى بعينيها البني الدافية، وخدودها الوردية، وغمزاتها الطبيعية اللي بتبان لما تبتسم. بس "الأوجارد" اللي باباها كان بيضايقهم كانوا بيهربوا منه بأقصى سرعة. "فيفيان؟" جنون زعقت. "دي آخر مرة هفكرك! إحنا في يونيو. الأتوبيسات مبتمشيش كتير في الصيف، فاكرة؟ أحسنلك تتحركي!" "أنا ماشية أهو!" فيفيان ردت بحدة وهي بتنفخ. "يا ساتر يا جنون، ده مجرد فستان!" "الموضوع هياخد اليوم كله. لازم تلفتي نظر ابن بنكير عشان يسدد ديون القمار بتاعة بابا." فيفيان اتنهدت. كانت بتتمنى إن بتوع الديون ميكونوش بيهددوا بخطف واحد من حيوانات العيلة الأليفة تاني. فيفيان رمت شنطتها على كتف واحد وجريت بره الباب قبل ما مامتها تأنبها عشان مفطرتش. لحقت الأتوبيس بالعافية في آخر لحظة. كان فيه واحد من "الأوجارد" قاعد في أول كنبة، مشغول وهو بيفر في جرايد الصبح. "الأوجارد" دول كانوا زمان ناس طبيعية بشغلانات طبيعية قبل ما مدينة مانا تختارهم عشان يدوروا على الأطفال الموهوبين ويختاروهم. المفروض إن فيه ثروة بتتعمل لو الواحد عنده عين بتلقط المواهب المستخبية. أكيد دي شغلانة ممتعة إنك تلعب دور صانع الملوك. كلهم كانوا بيلبسوا بفخر وردة قرنفل سوداء على لبسهم عشان تبين وضعهم الجديد كواحد من المختارين. مختارين، عشان يختاروا. العنوان اللي في الجرنال كان بيقول: "جاكس جرين، المتحدث باسم الملك وين، بيأمر بإعدام لانس موريجان بتهمة الخيانة". مش العنوان هو اللي لفت نظر فيفيان، لكن صورة بنت صغيرة في خلفية اللقطة بتاعة لانس موريجان سيء الحظ. البنت مكانش باين عليها إنها حزينة على ولي نعمتها، بالعكس، كان باين إنها مرعوبة رعب الموت. غالباً هتجبر إنها تروح معاه القبر. "فيفيان! تعالي هنا!" دي كانت سالين، صاحبة فيفيان من المدرسة. خبطت بإيدها على الكرسي الفاضي اللي جنبها. "يا بنتي، خلاص يومك الكبير قرب، مش كده؟" "أيوه، بكرة. نفسي أخلص من الموضوع ده." "هتعزمي حد مخصوص؟ يعني ولد مثلاً؟" "سالين!" فيفيان زعقت. "إنتي عارفة إني مش هعمل كده!" "طب هتعزمي دانيال؟" سالين سألت وهي بتحاول تكتم ضحكتها. دانيال ده كان ولد معاهم في المدرسة ودايماً بيعزم فيفيان على حاجات. البنات التانيين كانوا بيحبوا يطلعوا إشاعات إنه واقع في حبها، بس فيفيان كانت شايفة إن ده كلام عبيط. دانيال كان مجرد جدع، ومعروف عنه إنه بيحب يساعد الكل. أكيد كان بيشفق عليها عشان هي البنت الوحيدة اللي بتقضي وقتها كله في المكتبة. وكان فيه إشاعة بتقول إن دانيال حاول يتجوز أليسون وهما في الحضانة، بس هي رمت حفنة تراب في شعره. دلوقتي بعد ما أليسون مشيت، دانيال بدأ يهتم بفيفيان اهتمام خاص. فيفيان عمرها ما حست إنها كفاية؛ دايماً كانت بتحس في قلبها إن ضحكة دانيال بتبقى منورة أكتر وصوته بيبقى طالع من القلب أكتر لما أليسون كانت بتبقى موجودة. ساعات فيفيان كانت بتتمنى لو تقدر تمثل إنها أليسون عشانه، بس رغم إنها مكنش عندها أي خبرة مع الولاد، كانت عارفة إن الحب مبيجيش بالطريقة دي؛ يا موجود يا مش موجود. هي مكنتش "نصيبه" — دي حاجة أكيدة. "ماما بعتت دعوات كتير أوي،" فيفيان قالت وهي بتكشر. "أنا بس خايفة تكون عزمت المدير!" فيفيان بصت لفوق بملل، وبعدين عينيها جت على الجرنان اللي في إيد "الأوجارد" وهو بيقلب فيه. "فيه شخص واحد بس كان نفسي ييجي — أليسون. كانت دايماً بتموت في الحفلات." "تلاقيها بتهيص في مدينة مانا دلوقتي وإحنا بنتكلم،" سالين قالت. "يمكن في يوم من الأيام نزورها في القصور الشيك اللي هناك. أليسون طول عمرها عارفة إزاي تلف وتدور عشان توصل لفوق." وده كان حقيقي. أليسون كان عندها ثقة قوية ومتهتزش، وابتسامة تخطف العين تليق بالثقة دي. أليسون كانت كل حاجة فيفيان مش عارفاها. ودلوقتي وهي مش موجودة، فيفيان حست إن جزء من نفسها اختفى في ضلمة مدينة مانا معاها. "مش حاسة إن الموضوع غريب إننا مسمعناش عنها حاجة من سنين؟" سالين طنشت كلام فيفيان وقالت: "يا بنتي فكي بقى، أنا متأكدة إنها كويسة. يا ريت واحد من 'الأوجارد' يختارني أكون 'أورلين' عندهم. أهلي لسه عندهم أمل." سالين بصت لـ "الأوجارد" بلهفة. "الوقت بيخلص، عيد ميلادي التمنتاشر كمان شهرين." فيفيان كانت بتتساءل لو كانت هي الوحيدة اللي عمرها ما حلمت إنها تكون "أورلين". كانت شايفة إن ده مجرد اسم شيك لوظيفة مرافقة للعيلة المالكة في مدينة مانا. بالنسبة لبنت في لويسفيل، إنها تكون "أورلين" يعني هدوم حلوة، حفلات خيالية، وفخر لعيلتها. وللبعض، كان الموضوع بيوصل للسلطة؛ "الأورلينز" كانوا بيختلطوا بأهم ناس في مدينة مانا. وكان بيتقال إن حتى "وين" نفسه بياخد رأي واحدة من "الأورلينز" قبل أي قرار مهم. فيفيان لسه فاكرة اليوم اللي أليسون جالها فيه الاستدعاء. كان تاني أسبوع في المدرسة. جت الصبح والمدرسة كلها ومكنتش قادرة تبطل ضحك. اتضح إن واحد من "الأوجارد" كان مستنيها عند باب المدرسة. أليسون اختاروها تكون "أورلين". مش هتحتاج تروح المدرسة تاني أبداً. يومها، المدرسين حضنوا أليسون كأنها كسبت اليانصيب. الكل كان عارف إن الناس المميزين بجد بيختاروهم أول ما يتموا ستاشر سنة. كان فيه قصص قليلة عن ناس اختاروها قبل ما تتم سبعتاشر بشهرين. أما اللي قربوا يتموا تمنتاشر، ففرصتهم في الاختيار كانت تكاد تكون منعدمة. فيفيان سألت: "أنا مستغربة هما محتاجين 'أورلينز' في إيه أصلاً؟ وقصدهم إيه لما بيقولوا إنهم بيدوروا على اللي مولودين مميزين؟ لو الشروط صعبة كده، ليه مبيقولولناش بالظبط إيه اللي بيخلي الواحدة تبقى 'أورلين'؟" "أعتقد بيدوروا على أجمل ناس وقلبهم طيب،" سالين ردت. "الأورلينز عندهم سلطة كبيرة، فأكيد هتحتاجي حد يعمل اللي فيه الخير للكل." فيفيان مكانش عاجبها الكلام. كانت بتفكر لو كان شكها ده سببه إنها عاشت في مدينة مانا من زمان، قبل ما باباها يبقى مقامر وسكيير. كانت عارفة إن مش كل حاجة في مدينة مانا صافية زي النافورات اللي بتجري فيها. الكل بيتكلم عن مدينة مانا كأن الهوا هناك مخلوط بذهب والناس ماشيين بأجنحة ملايكة. "أنا مش عارفة ليه مختاروكيش يا فيفيان،" سالين كملت كلامها. "فاكرة القطة الضالة اللي لقيناها كانت مدعوسة؟ إنتي أنقذتيها من الشارع وفضلتي واخدة بالِك منها في حضنك لحد ما ماتت. إحنا كلنا كنا خايفين نقرب منها. كان فيه دم في كل حتة والموضوع كان.. يقرف. إنتي كنتي شجاعة أوي." شجاعة مكنتش الكلمة الصح للي حصل مع القطة. كان فيه حاجة في منظر الدم والأحشاء بتعمل تأثير عكسي على فيفيان مقارنة ببقية الناس. كانت بتهديها، بتصفي ذهنها، وفي حالات معينة كانت بتقرب من الإثارة. فيفيان عمرها ما حبت القطط، بس القطة اللي كانت بتتعذب في الشارع دي، في اللحظة دي بالظبط وهي بتموت، كانت حاجة فيفيان ممكن تحبها. فيفيان كانت بتتساءل لو ده بيخليها مريضة أو غريبة الأطوار. يمكن عشان كده "الأوجارد" دايماً كانوا بيبعدوا نظرهم عنها ويهربوا أول ما يشوفوا عينيها الباهتة زي التلج. كانوا بيبصوا في روحها وبيعرفوا — البنت دي مش هي اللي بيدوروا عليها. "دي محطتي!" فيفيان قالت لما الأتوبيس وقف عند منطقة المحلات الزحمة في البلد. شاورت بالسلام لسالين وهربت من الأتوبيس. وهي نازلة، خبطت غصب عنها في "الأوجارد" وهو قايم. وقع فوق بعضه على الأرض، وفضل يشتم فيها. كان معاه عكاز بيسند عليه قبل ما هي توقعه من إيده. وقبل ما فيفيان تلحق تساعده يقوم، سالين كانت قامت من مكانها وجريت جنبه. ولما فيفيان شافت إنها ملهاش لازمة في المساعدة، رجعت لورا بكسوف ناحية الباب. "أنا آسفة!" فيفيان برطمت بالكلمة وهربت من الأتوبيس.