اللغة: العربية
الرئيسية اكتب

كتاب اللقاء الأخير

جاري التحميل...

اللقاء الأخير

تزور البطلة جنازة "داليا" وسط حشد من مشاهير كوريا. يظهر الفصل التباين الصارخ بين مشاعر الفقد الحقيقية واستغلال شركات الترفيه للمواقف المأساوية من أجل الدعاية الإعلانية. إنها لحظة المواجهة الأولى للبطلة مع حقيقة أن الشهرة قد تكون طريقاً بلا عودة.

تحميل الفصول...
المؤلف

                       وش يجي في بال الواحد وهو على بعد ثواني بسيطة من الموت المحقق؟

هل يشوف النور المشهور اللي يقولون عنه في آخر النفق؟ ولا نغزات الندم تملأ قلبه اللي يدق بقوة، وتذكره بكل الأخطاء اللي سواها؟ هل يمر وجه شخص يحبه قدام عيونه؟ ولا رعب المجهول اللي ينتظره في الجانب الآخر.

عمري ما كنت من النوع اللي يفكر في نهاية الحياة. لما تكون صغير وكلك طموح، الموت يكون شي بعيد كأنك في آخر الطريق. شي يهدد كبار السن أو المرضى بس.

حياتي كانت عبارة عن نظام صارم من دراسة، وتدريبات رقص، وحصص صوت وتقييمات. الضغط عشان نعدي تقييماتنا الشهرية كان كفيل إنه يوترني، وما كان عندي وقت أشيل هم حوادث غريبة ممكن تذبحني مثل حادث باص أو صاعقة برق. ولا حتى إني أختار الموت.

عمري ما فكرت فيه كخيار.

ومع كذا، وأنا جالسة هنا والكوافيرات يلعبون بشعري ووجهي، الموت هو كل اللي أفكر فيه.

وش اللي كان يدور في بال داليا لما نطت من جناحها الخاص، وطاحت في واحد من أزحم الشوارع في هونغداي؟ سألت نفسي المرة تلو المرة نفس السؤال اللي يسألونه ملايين الناس في الأخبار والإنترنت الأيام اللي راحت.

ليه؟

داليا، اللي كانت معروفة قبل باسم "أون يونغ"، كانت أسطورة في ديرتنا المتواضعة. أغلب الناس ما عمرهم سمعوا عن "هادونغ" ولا زاروها، وهي مجتمع زراعي صغير يقع على طول نهر سومجين في وادي جبل جيري.

عكس العاصمة سيول اللي تمتد لمساحات شاسعة، هادونغ بلدة صغيرة مليانة بيوت تشبه الأكواخ وأسقفها من قش، متجمعة مع بعضها مثل الفطر. الشغل الأساسي هنا هو الزراعة، وأغلبنا كبرنا عشان نستلم أدوار أهالينا في هالشغلة.

استمر الوضع كذا لين انحاشت "أون يونغ" من البلدة مع أخوها بصفته ولي أمرها، وشاركت في تجربة أداء في شركة "بي تي للترفيه" - وهي وحدة من أكبر ثلاث شركات ومن أقدمها وأكثرها عراقة في كوريا الجنوبية.

أكثر شي صدم الجميع إنها انقبلت، وفازت على خمسة آلاف متسابق غيرها كلهم أمل.

ما حد في ديرتنا تجرأ يحلم بشي غير الزراعة، و"أون يونغ" كسرت هالقاعدة. ولما ترسمت أخيراً باسم "داليا"، بعد ست سنوات من التدريب، تجمع أهل هادونغ كلهم عند وسيلة إخبارية محلية عشان يتابعونها.

ومن ذاك الوقت والديرة ما عادت مثل أول. الحين السياح يتدفقون على هادونغ كأنها أعجوبة الدنيا السابعة، بس الحقيقة كل اللي يبونه هو يشوفون البدايات المتواضعة لنجمتهم المحبوبة.

أحياناً أفكر إن نجاح داليا كان السبب الوحيد اللي خلى أهلي يوافقون لي أصلاً إني أدخل تجربة أداء وألحق حلمي الخاص بإني أصير نجمة كيبوب.

مع إني ما كنت محظوظة كفاية عشان أنقبل في وحدة من الشركات الثلاث الكبار، إلا إني نجحت في دخول شركة "فايرفلاي للترفيه"، وهي شركة أصغر شوي بس طلعت كم نجم ناجح.

قضيت أربع سنوات طويلة هنا، وفي أغلب الأوقات كنت أحسب إنهم بيطردوني. هذا الخوف يطاردني مو بس أنا، بل كل المتدربين الباقين، بس الحين أتساءل ليه داليا رمت كل شي ورا ظهرها ونطت من ذيك العمارة.

كانت دايم سعيدة حتى وهي طفلة لما كنا نلحق بعض حول بيوتنا، نلعب صيدة مصيدة ولا غماية. صحيح انقطعت علاقتنا لما اشتهرت، بس كنت دايم أظن إنها سعيدة ومرتاحة.

كيف لشخص عنده كل هالشهرة والنجاح ما يكون كذا؟

انعقدت حواجبي لما شدت الكوافيرة شعري. كانت تمشطه بإهمال وهي تسولف وتقص مع كوافيرة ثانية، وثنتينهم يسوون نفسهم كأني مو موجودة أصلاً. لو كنت من فرقة العيال المشهورة في الشركة "فيفا"، ما كانوا عاملوني بهالدفاشة أبداً.

عضيت شفتي وكتمت رد قاسي كان بيطلع مني. ما أقدر أخاطر وأزعل أي أحد الحين. مو في وقت تحدد فيه تاريخ ترسيمي بس لسه ما تحدد مين اللي بيكون في الفرقة. عدم معرفتي إذا كنت وحدة منهم كان ياكل في داخلي مثل ما أكل فيني خبر موت داليا.

"يلا، اخلصوا." مشى مديري باتجاهنا، لابس بدلة سوداء وقميص أبيض وكرافتة. أبعد شعره عن وجهه الشاحب وناظرني وهو مكشر. "لا تحطون في وجهها مكياج واجد. المفروض إنها في حالة حداد على موت صديقتها مو قاعدة تحتفل."

استعجلوا الكوافيرات عشان يسوون التعديلات الأخيرة. مسحوا بلاشر الوجه السخيف اللي حطوه، وشدوا فستاني الأسود الرسمي عشان يغطي ركبتي.

"الفستان مرة ضيق. لازم تنحفين." وحدة منهم نفخت في وجهي بعد ما نفخ فيها مديري.

شي يقهر إنك تكون في آخر القائمة في هالموقف، بس تعودت إني أبلع كبريائي. صار لي أسوي كذا من أربع سنين.

"آسفة يا أختي. ببدأ دايت من بكرة."

نظرة الرضا على وجهها كانت آخر شي شفته وأنا أنسحب برا غرفة التبديل وبمرات الشركة. ملاحقتي لمديري كانت كأنها ركض لين وصلنا لسيارة جيب فخمة قزازها أسود ومظلل واقفة برا.

استعجلني أدخل وركب بعدي. بدأ يعطي تعليمات للسواق وأنا غصت في الجلد الناعم حق المرتبة والمكيف يضرب في وجهي. هذي أول مرة أركب سيارة فخمة كذا، حتى ريحتها كانت خيالية.

كنت مشغولة أتأمل تفاصيل السيارة من داخل لما ضحك مديري اللي جالس جنبي بصوت خفيف.






"هذا ممتاز.. شي خيالي صراحة." رفع السيد "أوه" عيونه من جواله وناظرني بابتسامة فيها خباثة. "صداقتك القديمة مع داليا قلبت سيرفرات شركتنا قلب. الكل صار يسأل عنك، وودهم يعرفون إذا كنتِ عانيتِ في ديرتك الفقيرة مثل ما عانت هي، ويبون يدعمونك مثل ما دعموها."

"ديرتي ما هي فقيرة، هي بس ريفية،" حاولت أصحح له بس سكتني بحركة من يده.

"ايه طيب، المهم.. كان لازم تقولين لي من بدري إنك تعرفينها، يمكن كنا بنستفيد إعلامياً وهي حية، بس يالله، حتى كذا يعتبر كافي."

حسيت بالغضب يغلي في عروقي، ودقات قلبي زادت من القهر. لو ما كان مديري، كان عطيته بوكس يخلي عينه تزرقّ.

لفت وجهي للدريشة أطالع برا وسحبت عليه وهو يهذري عن كيف إن هالشهرة مفيدة لشركة صغيرة مثل "فايرفلاي". غثني تفكيره المادي المريض، بس نجاحه بالنهاية معلق بفرقتي، فعشان كذا أحسه مستميت ومستعد يسوي أي شي.

مع إنه يحتاج شوية ذوق وإحساس، بس واضح إنه ما يملك لا هذا ولا ذاك.

"خلاص عاد، بطلي بوز وزعل. إنتِ ما تدرين قد ايش إنتِ محظوظة باللي صار. أغلب فرق البنات من الشركات الصغيرة ما يكملون سنتين إلا وهم متفككين. مع هالشهرة، بتعتبرين محظوظة لو كملتوا ثلاث سنين،" نطق السيد "أوه" بلهجة فيها توبيخ وهو متضايق مني.

"ببذل كل جهدي عشان أكون أحسن رابر في شركتنا،" قلتها ورفع عيونه بملل.

"تدرين لو ما كنتِ مشهورة الحين، كان رحت اشتكيت من أسلوبك هذا عند الإدارة."

هالجملة خلتني أسكت وصرت مثل الكرة من الخوف.

ابتسم السيد "أوه" بغرور لما لاحظ خوفي، ووقفت السيارة في الوقت المناسب. "انضبطي اليوم. نجاح ترسيم فرقتك الحين كله فوق أكتافك الصغيرة هذي. يلا اخلصي، وتذكري ما فيه ابتسام نهائياً، أبي وجهك يكون بائس. حتى لو انقطعت علاقتكم، أبيك تمثلين إنها كانت أعز صديقاتك وإن موتها كاسر قلبك وذابحك من الحزن."

هزيت راسي بجمود، ومد لي قطرة عيون.

"حطي منها في عيونك قبل ما ننزل قدام الصحفيين،" أمرني، وضغطت بأصابعي على علبة البلاستيك الصغيرة وكأني أفرغ كل ضيقي فيها.

حطيتها في شنطتي، وانفتح باب السيارة الكهربائي عند المدخل الرئيسي لمركز "آسان" الطبي. في ذيك اللحظة بس سمعت ضجيج أصوات، صراخ من المعجبين يقطع القلب. كان فيه حاجز صغير يفصلني عن المعجبين والصحفيين، بس ما كنت مستعدة أبداً لفلاشات الكاميرات اللي تصورني بجنون ولا لأصوات آلاف الناس حولي.

سمعت اسمي يتردد في كل مكان، وحاولت بكل طاقتي أبين بائسة، بس الحقيقة كنت أحس بصدمة. عمري ما جربت اهتمام بهذا الحجم في حياتي، وفي هالظروف الكئيبة، كان الموضوع يشل الحركة فعلاً.

أول ما دخلنا داخل، أخذت ثانية عشان أستوعب وأهدي دقات قلبي اللي كانت تضرب بقوة. كان فيه عدد محدد من الصحفيين يصورون فيديو، فربت مديري على كتفي بخفة عشان أصحصح.

"يلا امشي،" قالها بأدب غريب ما هو من عوايده.

هزيت راسي ومشيته وراه، وأنا أتجاهل عدسات الكاميرات اللي تلاحق كل حركاتي والأضواء اللي تلمع في زوايا عيني.

قدام عيون العالم، أنا المتدربة اللي لسه ما بدت مشوارها وصديقة داليا القديمة، بس فجأة دخلت فرقة من النجوم الحقيقيين للمبنى وراي، وبلمحة بصر نسيوني الناس. الصراخ برا صار يصم الآذان، خليط مجنون من الهستيريا والحزن.

لفت وجهي ببطء وشفت فرقة "تي بي تي" (TBT)، الفرقة اللي وصلت الكيبوب للعالمية، ومعهم فرقة "سويت بويزن" (Sweet Poison). كانت وجيههم طبيعية بدون مكياج ومنزلين رؤوسهم وهم يمشون وراي في الدرج الكهربائي.

هذي أول مرة أشوفهم في الحقيقة، وما قدرت أمنع نفسي من إني أنبهر بوجودهم.

طلعنا مع بعض للقاعة الرئيسية اللي جهزتها شركة "بي تي" عشان المودعين والمعجبين يلقون نظرة الوداع الأخيرة على نجمتهم المفضلة.

ما كنت أعرف وش يعني تكون مشهور بين المشاهير، بس لما وقفت في هالغرفة عرفت قد ايش داليا كانت محبوبة. كل نجوم الكيبوب تقريباً كانوا واقفين حولي، كلهم مشهورين لدرجة خيالية، وجيههم شاحبة وبائسة وهم يناظرون التابوت اللي في صدر القاعة.

ما حد يتكلم، وحاولت ما أطالع في وجيه الكل، بس صعب تقاوم لما تكون محاط بناس كبرت وإنت تعتبرهم قدوتك. جنبي بالضبط كانت "جي يونغ"، المغنية والراقصة الأساسية في فرقة "وال فلاور".

وقدامي كان "دينو"، الرابر والمنتج المشهور من شركة "كيو بي". أكاليل ورد العزاء الكبيرة كانت مغطية الجدران، كلها مرسلة من شركات الترفيه في كوريا. كأن الوسط الفني كله متجمع في هالغرفة الحين.

عرفت كم سياسي موجود، وبعدها أعلن واحد إن مراسم الجنازة بتنتهي قريب عشان الأهل والأصدقاء يقدرون يودعونها بخصوصية. عطونا دورنا عشان نعزي، ووقفت بانتظار دوري في السرا المتجه للتابوت.

حسيت إني صغيرة ومالي أثر وسط هالعمالقة. كان شعور غلط إني أكون في نص السرا مو في آخره. شباب فرقة "تي بي تي" كانوا قدامي، وكانوا يتبادلون هزات الرأس مع زملائهم من باب التحية.

نزلت عيوني، أتجنب كل النظرات والاهتمام. ولما وصلت قدام، شفت أخت داليا الصغيرة وأهلها واقفين عند تابوتها. وجيههم كانت تقطع القلب من كثر الدموع وهم ينحنون لكل اللي يعزونهم.

ما أقدر أتخيل حجم الخسارة اللي يحسون فيها.

عضوات فرقة "سويت بويزن" الثلاث الباقيات كانوا واقفين جنبهم ومنهارات. عضيت شفتي وحسيت قلبي نزل لبطني لما جاء دوري أخيراً أوقف قدام تابوت داليا.

كانت فيه صورة لوجهها الجميل معلقة فوق، تبتسم لي وأنا أقرب. حسيت بنغزة قوية في صدري، شعور بالخسارة والندم على كل هالموهبة والطموح اللي ضاع. هي كانت السبب اللي خلاني أمشي في هالطريق، والحين هي ميتة.

رجلي جمدت في مكاني وأنا أناظر التابوت، وأتساءل كيف بيكون شكلها داخل. التابوت المسكر ما يعني إلا إن جسمها تأذى لدرجة ما تنفع للعرض، وما أبي حتى أتخيل الموقف.

انحنيت أنا والسيد "أوه" لأهلها، وبعدها لعضوات "سويت بويزن" - لونا، ماريا، وسامر، وكلهم لابسين أسود. مو قادرة أصدق إني أقابلهم في الحقيقة وفي هالموقف الزفت.

لما طلعنا من القاعة، راحت أفكاري لذكرى داليا وأنا نلعب تحت الشمس، بشرتنا سمراء وضحكتنا شاقة الوجه. البنت اللي في الصورة فوق التابوت ما تشبه "أون يونغ" القديمة إلا بشي بسيط، ببشرتها البيضاء الشاحبة وملامحها اللي تغيرت بعد الشهرة. حتى أسنانها صارت أضبط.

الابتسامة العوجاء اللي أذكرها من طفولتنا كانت هي الابتسامة الحقيقية الصادقة. والحين أتساءل إذا كانت هذيك هي آخر ابتسامة صدق عاشتها.