في هذا الدرس سندرس:
- الأحوال الاقتصادية: للتعرف على أحوال الزراعة والصناعة والتجارة والنقل والمواصلات بعد تطبيق نظام الاحتكار.
- الأحوال الاجتماعية: للتعرف على الأوضاع الاجتماعية التي ترتبت على سياسة محمد علي الاقتصادية.
- التعليم: للتعرف على مظاهر اهتمام محمد علي بالتعليم على اختلاف مراحله.
- الأحوال السياسية: للتعرف على السلطات التنفيذية والتشريعية.
- بناء القوة العسكرية: للتعرف على طرق محمد علي في بناء القوة العسكرية.
أولاً: الأحوال الاقتصادية (نظام الاحتكار)
نظم محمد علي الاقتصاد المصري في الزراعة والصناعة والتجارة على أساس نظام الاحتكار، لكي يضمن الدخول في سوق التجارة الدولية منافساً لغيره من الدول.
نظام الاحتكار في عهد محمد علي: نظام تقوم فيه الحكومة ممثلة في محمد علي بالإشراف على الاقتصاد جملةً وتفصيلاً من خلال تحديد نوع الغلات التي تزرع ونوع المصنوعات التي تنتج وتحديد أثمان شرائها من المنتجين، وأثمان بيعها في السوق.
1 الزراعة
قام محمد علي بالعديد من الإجراءات للنهوض بالزراعة:
- 1- تغيير أوضاع الملكية والحيازة الزراعية وذلك عن طريق: إلغاء نظام الالتزام ومصادرة أراضي الملتزمين وتسجيلها باسم الدولة تم ذلك بسلسلة من الإجراءات خلال 6 أعوام (من 1808م : 1814م).
- 2- تطبيق نظام الاحتكار في الزراعة عن طريق:
- تزويد الفلاح باحتياجات الزراعة (بذور - أدوات - مواشي) يخصم ثمنها من قيمة المحصول عند تسليمه.
- إلزام الفلاحين بزراعة ما تقرره الحكومة من الحاصلات الزراعية.
- 3- توفير أكبر قدر من الدخل من الإنتاج الزراعي (تطوير الزراعة) عن طريق:
- إحلال أساليب زراعية حديثة لزيادة الإنتاج الزراعي وتقليل الجهد فاستقدم المدربين الماهرين من كل مكان وحدد الواجبات والمسئوليات.
- الاهتمام بالتعليم الزراعي فأنشأ مدرسة للزراعة واستقدم الخبراء الزراعيين من الخارج.
- تحسين طرق الري عن طريق: شق الترع وحفر القنوات، وإنشاء العديد من القناطر على النيل وأهمها القناطر الخيرية، والتي أدت إلى تحويل أراضي الوجه البحري إلى نظام الري الدائم.
- تحسين زراعة القطن وإدخال أنواع جديدة من النباتات الزراعية، مثل (أشجار التوت لتربية دودة القز، نبات النيلة الهندية).
2 الصناعة
كانت أحوال الصناعة عندما تولى محمد علي حكم مصر لا تلائم حاجة الجيش والأسطول لذلك قام بما يلي:
تطبيق نظام الاحتكار في الصناعة: رأى محمد علي أن خضوع الصناعة لنظام الاحتكار وسيلة لتنظيمها ولتحقيق أهداف بناء القوة الذاتية للبلاد وتم ذلك من خلال:
1. إمداد الصناع بالمواد الخام اللازمة للصناعة بالثمن الذي تحدده الحكومة.
2. شراء المنتجات بالسعر الذي تحدده الحكومة.
3. رفع أسعار بيع المواد الخام للصناع وخفض أسعار شراء منتجاتهم لتحقيق الربح المناسب.
تطوير الإنتاج الصناعي: ساعدت سياسة الاحتكار في تطوير الإنتاج الصناعي من خلال الإجراءات التالية:
- إقامة مصانع حكومية تتبع الدولة مباشرة (قطاع عام) لتوفير الصناعات المطلوبة.
- إجبار مشايخ الحارات على جمع الصبية للعمل في مصانع الدولة إجبارياً فأصبحت بمثابة مدارس صناعية.
- استقدام خبراء من الخارج في مختلف الصناعات.
- تخصيص بعثات للخارج لدراسة فنون الصناعة المختلفة وترجمة الكتب الصناعية.
3 التجارة
طبق محمد علي نظام الاحتكار في التجارة من خلال الإجراءات التالية:
- في التجارة الداخلية: عن طريق احتكار محمد علي تسويق جميع الحاصلات الزراعية.
- في التجارة الخارجية: قامت بها الدولة مباشرة، عن طريق:
- البيع للتجار الأجانب في الداخل والخارج.
- احتكار تجارة الواردات فلم يشجع محمد علي الاستيراد كثيراً لأنه كان يرى أن الدولة القوية هي التي تزيد صادراتها على وارداتها.
4 النقل والمواصلات
اهتم محمد علي بالنقل والمواصلات لتصريف الإنتاج الزراعي والصناعي ولتسهيل التجارة فقام بـ:
- تمهيد الطرق البرية.
- بناء أسطول في البحرين الأحمر والمتوسط.
- إصلاح الموانئ وخاصة ميناء الإسكندرية.
- تطهير البحر الأحمر من القرصنة.
ونتيجة لذلك: فضلت شركة الهند الشرقية الإنجليزية استخدام طريق البحر الأحمر لمرور تجارتها بدلاً من الدوران حول أفريقيا وبهذا نجح محمد علي في إحياء طريق التجارة عبر مصر.
ثانياً: الأحوال الاجتماعية
أثرت سياسة محمد علي الاقتصادية في تشكيل وبناء القوى الاجتماعية في مصر حيث تدهورت واندثرت قوى كانت بارزة في ظل الحكم العثماني المباشر وظهرت قوى جديدة استفادت من نظام محمد علي ومشروعاته.
قوى تدهورت واندثرت لتحل محلها قوى أخرى
- 1. المماليك: انتهى نفوذها كهيئة حاكمة (لتحل محلها أسرة محمد علي وبعض الأتراك).
- 2. علماء الأزهر والقيادات الشعبية: تضاءل نفوذهم (لينتقل مركز القيادة من الأزهر إلى خريجي المدارس الجديدة).
- 3. طبقة التجار: تدهورت بسبب احتكار الحكومة للتجارة الخارجية والداخلية وبهذا اختفت الشخصيات التجارية الكبيرة (مثل أحمد المحروقي)، (لتحل محلها التجار الأجانب ووكلاؤهم وقيامهم بدور الوسطاء).
قوى ظهرت واستفادت من نظام محمد علي ومشروعاته
- 1. طبقة الأعيان: من كبار ومتوسطي مُلاك الأراضي الزراعية (وقد ازدادت قوتهم وتميزهم في المجتمع بتوسيع حقوق الملكية منذ منتصف القرن الـ 19م).
- 2. طبقة عمال الصناعة: ظهرت في المصانع الكبرى للدولة مع استمرار طوائف حرف الصناعات الصغيرة كوسطاء للحكومة.
- 3. البدو: ظهرت كقوة اجتماعية مستقرة بعد منح زعمائهم أراض واسعة، وتدريجياً دخل البدو في الحياة المدنية.
ثالثاً: التعليم
اهتم محمد علي بالتعليم لارتباطه بـ: (1) سياسة الاحتكار الاقتصادي وبناء القوة الذاتية، (2) التوسع الخارجي والحروب التي دخلها.
مظاهر اهتمام محمد علي بالتعليم
1. إرسال البعثات (خلال الفترة من 1813م : 1847م):
أوفد محمد علي بعثات من طلاب الأزهر إلى إيطاليا وفرنسا وإنجلترا والنمسا للتعليم ولاكتساب الخبرات اللازمة، لدراسة:
- الفنون العسكرية.
- بناء السفن والملاحة.
- الهندسة والميكانيكا.
- أصول الري والصرف.
- القانون والسياسة.
شخصية تاريخية: رفاعة رافع الطهطاوي
• أوفده محمد علي إماماً لطلاب أول بعثة كبيرة إلى فرنسا عام 1826م.
• استفاد كثيراً من الثقافة الإنسانية الفرنسية فأدرك قيمة الاطلاع على علوم ومعارف المجتمعات الأوروبية والترجمة فاقترح على (محمد علي) تأسيس مدرسة الألسن عام 1836م لتدريس اللغات الأوروبية والترجمة، والتي كان لها الفضل في نقل الكثير من معارف الغرب لمصر.
2. إنشاء المدارس (من 1816م : 1839م):
أنشأ محمد علي المدارس لخدمة أهداف التنمية الاقتصادية والعسكرية، مثل: (المهندسخانة - الطب - الصيدلة - أصول المحاسبة - الفنون - الصنايع - الزراعة - البيطرة).
في البداية التحق بهذه المدارس تلاميذ الأزهر والكتاتيب الذين حصلوا على قسط معقول من التعليم، ثم أصبحت هذه المدارس عامة ومدنية الطابع فأوجد هذا النوع من التعليم ثقافة مدنية تختلف عن الثقافة الدينية التي كانت طابع التعليم الديني السائد آنذاك.
ومن هنا كانت ازدواجية الفكر والثقافة إحدى مشكلات الثقافة والتفكير في مصر والتي بدأت منذ أيام الحملة الفرنسية.
عندما تعددت المدارس واتسع نطاقها، أنشأ محمد علي ديوان المدارس عام 1837م فكان أول وزارة للتعليم في مصر.
رابعاً: الأحوال السياسية (نظام الحكم)
السلطان التنفيذية والتشريعية
كان نظام الحكم في عهد محمد علي يقوم على الحكم المطلق الفردي استمراراً لما كان عليه أيام الولاة العثمانيين والمماليك غير أن محمد علي وضع للحكومة نظاماً انطلاقاً من فكرة الدواوين الاستشارية التي أقامتها الحملة الفرنسية وتماشياً مع أفكاره في البناء والإصلاح.
من الدواوين والمجالس التي أنشأها محمد علي:
1. الديوان العالي (عام 1824م)
- رئيسه: نائب أو وكيل الباشا (نائب محمد علي).
- مهامه: البحث في كافة شئون الحكومة.
2. مجلس المشورة "الشورى" (عام 1829م)
- تألف من: كبار موظفي الحكومة والعلماء والأعيان.
- مهامه: كان يتم استشارته في مسائل الإدارة والتعليم والأشغال العمومية وينعقد مرة واحدة في السنة.
3. المجلس العالي (عام 1834م)
- يشبه "مجلس الوزراء حالياً".
- تألف من: نظار الدواوين ورؤساء المصالح.
- ضم إليه: اثنان من الأعيان عن كل مديرية، واثنان لشئون الحسابات.
4. المجلس المخصوص
- مهامه: النظر في الشئون الكبرى للحكومة، تشريع اللوائح والقوانين، إصدار التعليمات لجميع المصالح.
5. المجلس العمومي (عام 1847م)
- مهمته: النظر في الشئون العامة للحكومة.
القانون الأساسي 1837م: قام محمد علي بإصداره من أجل تنظيم العلاقات بين الدواوين الحكومية وتحديد اختصاصاتها، والتي تمثلت في: (ديوان الإيرادات - ديوان المدارس - ديوان الجهادية - ديوان البحر للأسطول - ديوان الأمور الإفرنجية والتجارة المصرية - ديوان الفابريقات - ديوان الخديوي).
نقد نظام حكم محمد علي في مصر:
على الرغم من وجود جميع المجالس والدواوين السابقة إلا أنه يمكن القول أن نظام الحكم في عهد محمد علي قام في جوهره على فكرة الحكم الفردي المطلق حيث كان محمد علي مصدر السلطة العليا في مصر.
التقسيم الإداري
- أيام الحكم العثماني كانت مصر مقسمة إلى 16 إقليماً.
- في عهد محمد علي تم إدخال بعض التعديلات بما يناسب الأعباء المالية المفروضة على الأهالي (لتحقيق المساواة).
- قسم مصر إلى: 7 مديريات (محافظات) متساوية المساحة يرأسها (مدير/محافظ) -> تنقسم المراكز يرأسها (مأمور) -> تنقسم إلى أقسام يرأس كل منها (ناظر) -> تنقسم إلى نواحى وقرى يرأسها (عمدة أو شيخ بلد).
تولي الوظائف
كان العنصر التركي يتولى كل الوظائف الإدارية ما عدا وظيفة شيخ البلد والعمدة والوظائف المالية. ضعف نفوذ محمد علي في أواخر عهده فبدأت سياسة إحلال المصريين تدريجياً في الوظائف حتى تم تمصير كل الوظائف مع نهاية السبعينيات في عهد الخديوي إسماعيل، فيما عدا الجيش الذي ظلت فيه الرتب الكبيرة حكراً على العناصر التركية والشركسية.
السلطة القضائية
تمثلت جهود محمد علي في القضاء في:
- 1. إضافة بعض الاختصاصات القضائية إلى ديوان الخديوي.
- 2. إنشاء هيئة قضائية جديدة عرفت بـ "جمعية الحقانية" عام 1842م اختصت بمحاكمة كبار الموظفين وكانت بمثابة محكمة جنايات وجنح.
- 3. إنشاء محكمة تجارية (مجلس التجارة) اختصت بالفصل في المنازعات التجارية التي تنشأ بين الأهالي أو بينهم وبين الأجانب لذلك دخل في تشكيلها ممثلون عن الأجانب.
خامساً: بناء القوة العسكرية
كان محمد علي كرجل عسكري ومحارب يدرك أهمية القوة العسكرية لذلك اتجه لبناء قوة عسكرية ذاتية نظامية بدلاً من الفرق العسكرية غير النظامية التي تضم عناصر مرتزقة، ومتمردة ومختلطة وأصبحت هذه الفكرة أكثر إلحاحاً بعد حروبه في الحجاز ضد الوهابيين 1811م.
1 الجيش
كان الجيش محور سياسة محمد علي الإصلاحية، وتحديث جميع مرافق الدولة فكان الجيش أداة للتقدم العمراني في مصر بالإضافة إلى مهمته العسكرية ولذلك أنشأ: (مدرسة الطب لإعداد أطباء للجيش - مدرسة المهندسخانة لإعداد خبراء في الصناعات المختلفة التي ترتبط بالجيش).
خطوات إعداد وتكوين الجيش:
أ) إعداد الضباط (قام محمد علي بمحاولتين):
المحاولة الأولى في عام 1815م (تدريب الجنود الأتراك): بدأ محمد علي إعداد ضباط نظاميين فأمر بتدريب فرقة من الجنود الأتراك (التي اشتركت في الحروب الوهابية)، ولكن رفض الجنود الخضوع للتدريب الحديث بل وتآمروا لعزل محمد علي، فأدى ذلك إلى تراجع محمد علي عن هذه المحاولة.
المحاولة الثانية في عام 1820م (الاعتماد على أبناء المماليك): قام محمد علي بإنشاء مدرسة حربية في أسوان لتخريج ضباط عسكريين على النظام الحديث واعتمد في ذلك على الكولونيل سيف (أحد ضباط جيش نابليون) الذي اعتنق الإسلام وأصبح اسمه سليمان باشا الفرنساوي.
ب) إعداد الجنود (التجنيد):
• ابتعد محمد علي عن تجنيد كل من: (الأتراك والأرناؤود بسبب طبيعتهم المتمردة - المصريين تجنباً لاحتمال ثورتهم ضده).
• قام محمد علي بتجنيد السودانيين ولكن التجربة فشلت بسبب موت معظمهم لعدم ملائمة الجو لهم.
• فأدى ذلك إلى قيامه بتجنيد المصريين ونجحت التجربة في حرب اليونان عام 1824م.
• بعدما اتسعت دائرة التجنيد قام محمد علي بـ: (استقدام طائفة من كبار الضباط الفرنسيين ليعاونوه على تنظيم الجيش - إرسال عدد من الشبان إلى أوروبا لإتمام دراستهم الحربية وبعد عودتهم حلوا محل المعلمين الأجانب في المدارس الحربية).
2 إنشاء الأسطول
بدأ ظهور البحرية المصرية عام 1810م عندما شرع محمد علي في الدخول في الحروب الوهابية، فقام بعدة خطوات لإنشاء البحرية المصرية تمثلت في:
- إنشاء ترسانة في بولاق عام 1810م ثم في الإسكندرية لصناعة السفن الحربية والتجارية فيما بعد.
- إنشاء معسكراً لتعليم الأعمال البحرية للبحارة من الجنود.
- إنشاء مستشفى ومدرسة بحرية على ظهر إحدى السفن لإعداد الضباط البحريين.
- إرسال بعثات من الضباط البحريين إلى فرنسا وإنجلترا لإتمام علومهم عملياً على ظهر السفن الحربية الأوروبية.
3 إنشاء مصانع الأسلحة والذخيرة
أنشأ محمد علي مصانع للأسلحة في مصر بهدف الاستغناء عن استيراد السلاح من الخارج، لذلك:
- أنشأ ترسانة في القلعة لصنع الأسلحة وصب المدافع.
- أنشأ مصنعين للبارود أحدهما بالحوض المرصود بحي السيدة زينب، والآخر عند المقياس بجزيرة الروضة.
4 إقامة الحصون
اهتم محمد علي بتحصين مصر حيث أقام القلاع والاستحكامات اللازمة للدفاع عن ثغور (حدود) البلاد والعاصمة، ولذلك أصلح قلعة صلاح الدين وقلاع الإسكندرية ورشيد ودمياط.